حرر مدونتك

أنشئ مدونتك الآن! بشكل سهل و مجاني

العدل في العلاقات الإنسانية

younessemalouk @ 17:18 Tags:

في كتابه الكريم يقول تعالى: {إنَّ الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلَّكم تذكرون} (النحل/90)، فالله سبحانه يتوجّه بالحديث إلى النّاس كلهم في ما تنتظم به أمورهم، وتتوازن فيه أوضاعهم، وذلك بأن يأخذ كل إنسان حقه ونصيبه من الإنسان الآخر، فلا يُضطهد أيُّ إنسان في حقه بل لا بد أن يوفى إليه كاملاً غير منقوص.

وكما أن الله سبحانه وتعالى أمر بالعدل في كل جوانب الحياة، سواء في ما بين الأفراد أو في ما بين المجتمعات، فإنه أراد أيضاً في العلاقات الإنسانية أن يحسن الإنسان إلى الإنسان الآخر، والإحسان يتمثّل بالكلمة الطيبة التي يخاطب فيها الإنسان الإنسان الآخر، وبالمعاملة الطيبة والمعاشرة الطيبة، بحيث يعيش الإنسان مع الإنسان ويشعر بالإحسان من قبله إليه، وقد يتمثّل الإحسان بقضاء حاجته وبتخفيف آلامه وبالمشاركة والمواساة له في حزنه وفي فرحه، بحيث يشعر الإنسان بأن قلب الإنسان الآخر مفتوح له، وهذا ممّا ترتكز الحياة عليه، وذلك أن يعيش الناس العدل في حقوقهم، وأن يعيشوا الإحسان في تعاملهم في كلِّ علاقاتهم الخاصَّة والعامَّة.

وهكذا نقرأ في أية أخرى: {قل أمر ربي بالقسط} (الأعراف/29)، والقسط هو كناية عن العدل، بأن يأخذ كل إنسان نصيبه من دون أن ينتقص منه أي شيء. وقد أراد الله سبحانه وتعالى لرسوله أن يعدل مع الناس في كل مسؤولياته التي يمارسها معهم، وهو الذي يبلّغ عنه وينفذ ما يأمر به، {وأمرت لأعدل بينكم}، لأن النبي (ص) كانت له صفتان: صفة التشريع والإبلاغ والتبشير والإنذار، {يا أيُّها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشّراً ونذيراً* وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً}(الأحزاب/45-46)، والصفة الثانية، هي صفة الوليّ الذي يتولّى أمور الناس وصفة الحاكمية، {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم} يعني أن النبي يملك من المؤمنين ما لا يملكونه من أنفسهم، فهو الذي يحكم بينهم بالعدل، فيعطي لكلِّ إنسان حقَّه في ما فرض الله تعالى للناس من حقوق في مسؤوليَّة النبي (ص) في توزيع الزكاة، أو في ما أوكل الله تعالى الأمر إليه في أن يحكم بالحقّ وأن يحكم بالعدل.

وقد كان النبي (ص) في كلِّ أحكامه القمَّة في العدل بين الناس، بحسب ما حمَّله الله تعالى من مسؤوليات في التسوية في العطاء وفي إدارة أمور المسلمين في الأموال العامة والقضايا العامة، كما أن الله سبحانه وتعالى أراد من النّاس كلّهم أن يحكموا بالعدل فيما بينهم عندما يستلمون أية مسؤولية، سواء كانت مسؤولية خاصة أو عامة، وهذا هو قوله تعالى: {إن الله يأمركم أن تؤدّوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل}(النساء/85).

فالعدلُ إذاً هو أمرُ الله سبحانه وتعالى للناس كافَّةً، وهو أمر الله لنبيّه، وأمر القرآن لكلِّ من يلي مسؤوليّة. لذلك لا بد للناس عندما يتحمّلون مسؤوليّة العدل، أن يمتلكوا ثقافة العدل، بأن يعرفوا الحقوق العامة والخاصة للناس، سواء كان ذلك في داخل العائلة التي يدير الإنسان أمورها، أو في داخل الحكم القضائي الذي يحكم الإنسان فيه في حقوق الناس عندما يقدم كل واحد دعوى على شخص آخر، أو في حالات الحكومة العامة عندما يستلم الإنسان الحكم بين الناس في كل قضاياهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

وقد أكَّد الله سبحانه وتعالى مسألة أن لا يكتفي الإنسان بأن يعدل هو بين الناس عندما يتحمَّل مسؤولية الحكم، بل إن الله تعالى يريد منه أن يحمل رسالة العدل في الحياة. وقد حدثنا الله سبحانه في مقام التمييز بين نموذج من الناس ونموذج آخر، ففضَّل النموذج الذي يأمر بالعدل، ويحمل العدل كرسالة يبلّغها للناس ليتثقَّف الناس كلهم بثقافة العدل، ليحملوا هذه الرسالة في كل مجتمع يعيشون فيه، ليبلّغوا ما يريد الله تعالى منهم.

قال تعالى: {وضرب الله مثلاً رجلين أحدهما أبكم _ أي لا ينطق _ لا يقدر على شيء _ عاجز _ وهو كلٌّ على مولاه _ فهو يثقل مولاه، لأن الإنسان العاجز الذي لا يقدر على شيء، فإن وليَّه هو الذي يقوم بكلِّ أموره، فيكون ثقلاً عليه _ أينما يوجهه لا يأت بخير _ لأنه لا يملك من أمره شيئاً. هذا الإنسان الذي هو بهذا الشّكل، والذي هو كناية عن الإنسان الكافر الذي لا يؤمن بالله سبحانه وتعالى، والذي لا يحمل الرسالة ولا يأمر بما تأمر به، شبَّهه الله تعالى بالإنسان الذي لا ينطق، والعاجز عن الحركة في ما يتحمَّل من مسؤولية، فهو لا يستقلُّ بنفسه، وهو يثقل على غيره _ هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل}، هل يمكن أن يتساوى هذا الإنسان العاجز المشلول، مع الإنسان السوي الذي يحمل الرسالة، ولا سيّما رسالة العدل التي ارتكزت عليها كل الأديان وكل الرسالات وكل الموازين {وهو على صراط مستقيم}(النحل/67) فهو يأمر الناس بالاستقامة في حفظ حقوق بعضهم البعض، كما أنه يتحرك هو في خط الاستقامة؟!

وهناك حالة من الحالات التي تحدَّث الله تعالى عنها في سورة الحجرات: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما}، لأنَّ الإصلاح بين المؤمنين المختلفين، سواء جرّ خلافهم إلى قتال أو لم يجرّ إلى قتال، فالمسؤولية على المؤمنين للإصلاح {إنما المؤمنين أخوة فأصلحوا بين أخويكم}، وهنا {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى _ إذا اعتدت إحداهما على الأخرى _ فقاتلوا التي تبغي}، أي حاولوا أن تكونوا ضدَّ المعتدين لمصلحة المعتدى عليه، {حتى تفيء}، حتى ترجع {إلى أمر الله فإن فاءت} إن رجعت إلى أمر الله تعالى وبقي الخلاف بينهما، {فأصلحوا بينهما بالعدل}، حاولوا أن تصلحوا بينهما إصلاحاً بحيث تعطوا كل إنسان حقه، {واقسطوا} وفي حالة الإصلاح لا تميلوا إلى أحد دون أحد لقرابة أو صداقة أو لحالة عاطفية، بل لا بد لكم أن تصلحوا بينهما بما يعطي كل إنسان حقه.

{إن الله يحبُّ المقسطين} (الحجرات/9)، فالله تعالى يريد من الناس أن يقسطوا وأن يعدلوا بين الناس، سواء كان عدلاً في القضاء، أو عدلاً في الصلح، لأن العدل لا بد أن يحكم كلَّ السلوكيات الإنسانية بالنسبة إلى الناس بعضهم مع بعض، وبالنسبة إلى الحكم والمصلح وما إلى ذلك.
والحمد لله رب العالمين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

يـــــــــــــــــونــــــــــــــــس مــــــــــــــــــلوك